مصطفى لبيب عبد الغني

33

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

يتيقن صحتها ( أي بالعقل ) فليس له إلا البحث والنظر جهد طاقته . فإن أفرغ وسعه جهده غير مقصّر ولا وان فإنه لا يكاد يعدم الصواب . فإنّ عدمه - ولا يكاد يكون ذلك ! - فالله تعالى أولى بالصفح والغفران إذ كان غير مطالب بما ليس في الوسع بل تكليفه وتحميله عز وجل لعباده دون ذلك كثيرا » « 1 » . وفي هذا ما فيه من الدعوة الصريحة الواضحة إلى التفكير الذاتي وإلى الاعتزار بكرامة العقل على نحو ما سوف نراه عند رواد حركة « التنوير » من بعد ، وإن كنا نلمح - مع ذلك - فارقا هاما - وهو أن فكرة التعارض بين العلم والدين ليست واردة أصلا عند الرازي . وكان الرازي يضيق بمناهج المتكلمين في النظر وما تستند إليه من جدال ومماحكة وما تنطبع به من روح اللجاج والمشاغبة ، ومن الطبيعي ، وهو الفليسوف العقلانى ، أن لا يفي « علم الكلام » بمقصوده في فهم طبيعة الدين « 2 » . ولئن اقترب هذا الموقف مما ذهب اليه كبار العقلانيين في الإسلام - الذين تجاوزوا مجال اهتمام المتكلمين في نصرة العقيدة - ومن مناهجهم التي تنطلق من مسلمات العقل وبديهياته ، فإن الرازي كان أشد حرصا على تأسيس الفلسفة على العقل ولم يعترف مطلقا بسمو ملكة أخرى من ملكات النفس الناطقة ، وكأننا به يدرك بثاقب فكره أن الإعلاء من شأن « الحدس » أو الوجد » أو ما شابه ذلك فيه القضاء المبرم على الفلسفة في نهاية المطاف . وقد لزم عن اتساع دائرة المعرفة العقلية عند الرازي أن كان له فضل تحديد علوم لم تكن حتى عصره متميّزة موضوعا ومنهجا ، ومن أخص هذه العلوم التي كان له فضل الزيادة في تأسيسها على نحو مستقر « علم الكيمياء » « 3 » .

--> ( 1 ) الرازي : « الطب الروحاني » ص 96 . ( 2 ) يذكر البيروني كتابين للرازي هما : « في الانتقاد والتحذير على أهل الاعتزال » ( فهرست رقم 119 ) و « الإشفاق على المتكلمين » ( فهرست رقم 120 ) . وفي « عيون الأنباء » يرد ذكر كتاب الرازي : « في تناقض قول الجاحظ في كتابه فضيلة الكلام وما غلط فيه على الفلاسفة » ص 422 . ( 3 ) للرازي في الدفاع عن مشروعية علم الكيمياء موضوعا ومنهجا كتاب « الرد على الكندي في رده على الكيمياء » ( فهرست كتب الرازي رقم 171 ) . وكتاب « الرد على محمد بن الليث الرسائلي في رده على الكيميائيين » ( فهرست رقم 172 ) .